محمد بن جرير الطبري

36

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

فناجزهم بالحرب ، وأعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم بما كان منهم من ظهور آثار الغدر والخيانة منهم حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب ، فيأخذوا للحرب آلتها ، وتبرأ من الغدر . إن الله لا يحب الخائنين الغادرين بمن كان منه في أمان وعهد بينه وبينه أن يغدر به ، فيحاربه قبل إعلامه إياه أنه له حرب وأنه قد فاسخه العقد . فإن قال قائل : وكيف يجوز نقض العهد بخوف الخيانة والخوف ظن لا يقين ؟ قيل : إن الامر بخلاف ما إليه ذهبت ، وإنما معناه : إذا ظهرت آثار الخيانة من عدوك وخفت وقوعهم بك ، فألق إليهم مقاليد السلم وآذنهم بالحرب . وذلك كالذين كان من بني قريظة ، إذ أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله ( ص ) ومحاربتهم معه بعد العهد الذي كانوا عاهدوا رسول الله ( ص ) على المسالمة ، ولن يقاتلوا رسول الله ( ص ) . فكانت إجابتهم إياه إلى ذلك موجبا لرسول الله ( ص ) خوف الغدر به وبأصحابه منهم ، فكذلك حكم كل قوم أهل موادعة للمؤمنين ظهر لإمام المسلمين منهم من دلائل الغدر مثل الذي ظهر لرسول الله ( ص ) وأصحابه من قريظة منها ، فحق على إمام المسلمين أن ينبذ إليهم على سواء ويؤذنهم بالحرب . ومعنى قوله : على سواء : أي حتى يستوي علمك وعلمهم بأن كل فريق منكم حرب لصاحبه لا سلم . وقيل : نزلت الآية في قريظة . ذكر من قال ذلك : 12596 - حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فانبذ إليهم على سواء قال قريظة . وقد قال بعضهم : السواء في هذا الموضع : المهل . ذكر من قال ذلك : 12597 - حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : إنه مما تبين لنا أن قوله : فانبذ إليهم على سواء أنه على مهل . كما حدثنا بكير عن مقاتل بن حيان في قول الله : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر . وأما أهل العلم بكلام العرب ، فإنهم في معناه مختلفون ، فكان بعضهم يقول : معناه :